عبد الملك الثعالبي النيسابوري

14

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

من العقل بسجف ، ولا يبني جل قوله إلا على سخف ، فإنه من سحرة الشعر ، وعجائب العصر ، وقد اتفق من رأيته وسمعت به من أهل البصيرة في الأدب وحسن المعرفة بالشعر ، على أنه فرد زمانه في فنه الذي شهر به ، وأنه لم يسبق إلى طريقته ، ولم يلحق شأوه في نمطه ، ولم ير كاقتداره على ما يورده من المعاني التي تقع في طرزه مع سلاسة الألفاظ وعذوبتها ، وانتظامها في سلك الملاحة والبلاغة ، وإن كانت مفصحة عن السخافة ، مشوبة بشعر الخلديين والمكدين وأهل الشطارة . ولولا أن جد الأدب جد وهزله هزل - كما قال إبراهيم بن المهدي - لصنت كتابي هذا عن كثير من كلام من يمد يد المجون فيعرك بها أذن الحرم ، ويفتح جراب السخف فيصفع بها قفا العقل ، ولكنه على علاته تتفكه الفضلاء بثمار شعره ، وتستملح الكبراء ببنات طبعه ، وتستخف الأدباء أرواح نظمه ويحتمل المحتشمون فرط رفثه وقذعه ، ومنهم من يغلو في الميل إلى ما يضحك ويمتع من نوادره ، ولقد مدح الملوك والأمراء والوزراء والرؤساء ، فلم يخل قصيدة فيهم من سفاتج هزله ، ونتائج فحشه ، وهو عندهم مقبول الجملة غالي مهر الكلام ، موفور الحظ من الإكرام والإنعام ، مجاب إلى مقترحه من الصلات الجسام » ولسنا نريد إلا أن تقرأ هذه العبارة ثم تقرأها ثم تقرأها ، ثم احكم وكن من المنصفين . * * * وهذا الكتاب قد وضعه مؤلفه على أربعة أقسام يشتمل كل قسم منها على أبواب وفصول : القسم الأول : في محاسن أشعار آل حمدان وشعرائهم وغيرهم من أهل الشام وما يجاورها ومصر والموصل والمغرب ، ولمع من أخبارهم . القسم الثاني : في محاسن أشعار أهل العراق ، وإنشاء الدولة الديلمية من